حرية التعبير في زمن الحرب


أما الأن، وبعد أن نكس الرئيس دونالد ترمب بوعده الإنتخابي - بالتركيز على أمريكا وعدم التدخل بالأمور الخارجية-- وقرر ضرب النظام السوري، كثر الحديث بين المغتربين اللبنانيين في أمريكا عن حق المواطن بالتعبير عن رأيه من خلال إنتقاد أو دعم التدخل في سوريا. البعض قال أن الإنتقاد حق مطلق و دستوري. أما البعض الآخر، فهو ينتقد هذه النظرة ويعتبر أن "حرية الرأي" ستؤدي إلى كثير من الملاحقات من قبل الأجهزة الأمنية الأمريكية. لذا، بالنسبة للبعض فإن الدعم الأعمى لسياسة الحكومة يبعد الشبهات -- وفي باله المادة ٢٨٨ من قانون العقوبات اللبناني التي تجرم الأعمال والخطب التي "لم تجزها الحكومة." طبعاً، حرية الرأي والتعبير حق مقدس يمنع الحكومة من فرض رأيها على المواطنين، لكن التاريخ يعلمنا أن الأوقات البائسة تتطلب تدابير يائسة. لذا، من الصعب على الحكومات فرض قيود على الحقوق والحريات الفردية في الأوقات السلمية. فيميل الديكتاتور دائماً إلى خلق عدو واقعي أو وهمي. وتؤجل المحاكم النظر بجدية في مسائل الحريات الفردية إلى حين انتهاء الحرب.

ليس هناك من شك بأن الولايات المتحدة الأمريكية منارة للحرية والديمقراطية في العالم. وبالرغم من القيود الدستورية التي تحرم على الكونغرس من وضع أي قانون يقيد حرية التعبير، أو الصحافة، أو حق الشعب في التجمع السلمي، أو تقديم التماس إلى الحكومة، فإن هذه الحريات عانت بشكل خطير في أوقات الحرب. في الواقع، في الآونة الأخيرة، لم يكتب الكونغرس على لائحة نظيفة عندما أقر ما عرف بالباتريوت آكت ردا على هجمات ١١ أيلول ٢٠٠١. على أي حال، في الولايات المتحدة، في حين أن الحريات المدنية قد تم احترامها إلى حد كبير، إلا أن تعزيز أو إضعاف هذه الحقوق قد تأرجح مثل رقاص الساعة منذ اعتماد شرعة الحقوق -- أي التعديلات العشرة الأولى للدستور.


كانت الولايات المتحدة في مراحلها الأولى عندما أحدثت قوانين الأجانب والتحريض على الفتنة، التي صدرت عام ١٧٩٨، أثراً هائلا على حرية التعبير. في ذلك الوقت، وخلال التفاوض مع فرنسا، أصدر الرئيس جون آدامز والحزب الاتحادي، الذي كان يسيطر على الكونغرس، تشريعا يهدف إلى إلغاء خصومهم او أي رأي معارض. لحسن الحظ، كان القانون مؤقت، مما أدى إلى انتهاء صلاحيته في نهاية ولاية الرئيس آدامز. ومع ذلك، خلال فترة قصيرة، ألقي القبض على بعض المواطنين، فحوكموا وأدينوا. وعلى سبيل المثال، اتهم عضو الكونغرس في تلك الفترة ماثيو ليون من فيرمونت بالتحريض على الفتنة، وأدانته هيئة المحلفين، وحكم عليه بالسجن لمدة أربعة أشهر وبغرامة قدرها ألف دولار. لكن، من المفارقات، فاز ليون بحملة إعادة انتخابه التي كان قد بدأها من زنزانته.

حرب اخرى دعت الى قانون آخر للقضاء على "الرأي المنشق" أو "الخائن." فبنتيجة دخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الأولى، سن الكونغرس قانون التجسس في عام ١٩١٧، وتعديلاته المعروفة بقانون الفتنة في عام ١٩١٨. وطبقا لوزارة العدل والعديد من أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكيين، فحجة التعديل على قانون التجسس أنها كانت ضرورية لحماية المعارضين من الحشود التي لم ترق لها سماع أصوات معارضة. فحلت هذه القوانين محل الحقوق الدستورية الأساسية -- أي حرية الصحافة، وحرية التعبير، والحق في الكلام المعارض، والحق في التعبير السياسي-- وحكم على مئات المواطنين بالسجن. لحسن الحظ، ألغى الكونغرس قانون الفتنة في ١٣ كانون الأول ١٩٢٠. وقبل مغادرته البيت الأبيض، قام الرئيس وودرو ويلسون بتخفيض الأحكام وإطلاق سراح معظم السجناء قبل عام ١٩٢٤.

 

مع نهاية الحرب العالمية الثانية، أضحت الولايات المتحدة أكبر إقتصاد في العالم واصبحت تملك أقوى جيش. لكن، في سنة ١٩٤٦، وقع الخلاف مع الاتحاد السوفياتي في وقت كانت الأزمات والإضرابات تهز الأمة. سيطر الحزب الجمهوري على الكونغرس بعد الإنتخابات وبدأ حملة صارمة لفضح الشيوعيين والمتعاطفين مع الشيوعية. لكي يضعف الجمهوريين، أنشأ الرئيس هاري ترومان برنامج للتدقيق بولاء جميع الموظفين الاتحاديين (أي أكثر من ٤ ملايين موظف). لأكثر من ربع قرن عملت ا��حكومة على التضييق على كل من آمن (أو كان هناك إعتقاد بأنه يفكر) بالشيوعية، إلى أن قررت المحكمة العليا في الولايات المتحدة في قرار بارز سنة ١٩٧٣ أن الحكومة لا يمكن معاقبة الكلام إلا إذا كان تحريضياً أو يؤدي إلى إنتاج خروج وشيك عن القانون. هذا القرار ظل مطبقاً إلى أن وقعت أحداث ١١ أيلول ٢٠٠١ وبات الإرهاب أحد أكثر المخاطر التي تهدد الديمقراطية. هنا، خلصت المحكمة العليا في سنة ٢٠١٠ إلى أن الدستور لا يحمي حرية الرأي المستعمل لمساعدة جماعات تعتبرها الادارة الأمريكية ارهابية. واستندت هذه النتيجة إلى مبدأ أن أي مساعدة يمكن أن تساعد على "شرعنة" المنظمة الإرهابية، وتحرير مواردها للأنشطة الإرهابية.

لا يزال التعدي على الحقوق المدنية للمواطنين موضوع خلاف في الولايات المتحدة، لكن أهمية عصر ما بعد الحرب العالمية الأولى هو بروز المراجعات النشطة للمحكمة العليا في القضايا التي تتعلق بحرية التعبير. وعلى مدى أكثر من قرن من الزمان، فسرت المحكمة العليا للولايات المتحدة على نحو خلاق التعديل الأول للدستور، وأوجدت مجموعة واسعة من القوانين. وفي الواقع، فإن أي تفسير يجب أن يحدد ما إذا كان يستند الحظر إلى مضمون الخطاب، أو إذا كان الحظر غامضا أو مفرطا، أو ما إذا كان التقييد يحدث قبل النشر. لكن، من المسلّم أن لا سلطة للحكومة كي تقيد التعبير بسبب المضمون، الفكرة، أو المحتوى. أساسا، في ديمقراطية حقيقية، يجب على الحكومة عدم تقييد الكلام على أساس أيديولوجية أو موضوع الرسالة. على الرغم أن الحالات تتبع نفس المنهجية في التحليل، ليس كل خطاب محمي. فلنأخذ مثلاً الحرب السورية. إنتقاد التدخل في سوريا حق دستوري، أما الدفاع عن الرئيس السوري (أو أي شخص أو منظمة على لائحة الإرهاب) فليس محمياً بحرية الرأي أو التعبير.


جوي شبير - محام وباحث في القانون الدستوري - أمين سر المجلس اللبناني الأمريكي للديمقراطية ومسؤول لجنة الإعلام

blog comments powered by Disqus